الحب في التفاصيل

الحب في التفاصيل

0

منذ 3 سنوات

ذلك الفضول لمعرفة أدق التفاصيل عنك من قبل شخص آخر ليس مدفوعا بالفضول فقط دائما ..

كثيرا ما يكون مدفوعا بالحب .. 

لباسك ، طعامك المفضل، أعمالك، الأماكن التي ترتادها، أصدقاؤك، أعداؤك ، أسرتك، ... الخ .

يأخذ الحب صاحبه إلى أعمق الخصوصيات في حياة من يحبه، إنه يعرف كل شيء عنه، يميّز صوت أقدامه إذا أقبل ..

طريقة غلق الباب ..

حتى رائحته والروائح التي كان يشتمها منه إذا كان في مكان ..

البعض يتضايق من هذا .. لكنه دليل حب جارف ولاشك ..

كل ما زاد الحب والتعلق كل ما رأيت المحب يعرف عن محبوبه ربما أكثر مما يعرف هو نفسه، يحفظ أحداثه، تواريخه المهمة، يوم ميلاده، إجازته، بل قد يذكره ببعض مهام الأعمال التي كلف بها ..

وهذه التفاصيل على ما فيها من العاطفة وما في العلم بها من نعيم ومتعة لا حدود لها بالنسبة للمحبّ .. إلاّ أنّها ستكون سجنا محكم الإغلاق إذا لم يكتب لهذه العلاقة النجاح ..

هذه التفاصيل ستعذب قلب من يعرفها لأنّها ستحاصره في كل مكان يذهب إليه ..

كل شيء يشبهها سيذكره بها ويعيده إلى السجن ليذوق عذابات الذكريات .. عذاب الحنين إلى غائب لن يعود ! كما قال قائلٌ يوماً:

رباه.. أشياؤه الصغرى تعذبني    فكيف أنجو من الأشياء رباه؟


هكذا هو حبّ المخلوق .. يذلّ ويعذّب ويشغل العبد عمّا خلق له .. ولهذا يحرص الشيطان على إغراق الإنسان في رماله المتحركة التي لا تزيده محاولاته الفكاك منها إلاّ مزيدا من الغوص فيها ..

لننتهي من هذا الحب الأرضي الطّيني ..

ولنرتفع إلى الحب العلوي.. المقدّس .. الحب الذي يزيد العبد عزاً، وغنىً ، واستقلالاً، وراحة، وسلاماً، سلاما مع النفس وسلامات مع الآخرين .. أعداء كانوا أم أصدقاء، محبين أم كارهين ..

ولما سمت همم الأنبياء وأتباعهم كانت قلوبهم معلقة بحبّ من نوع آخر .. الحب الألهي .

تخيّل معي قليلا هذه العلاقة التي طرفها : الله جلّ في عليائه ، لا تقل لي إنّك تحبّه .. بل قل لي ماذا تعرف عنه ، فالحب كما قلنا يكمن في التفاصيل .

والله سبحانه يحبُّ ويُحبّ ، ويُحب سبحانه من عباده أن يحبّوه ، بل إنّ مقام الحب له تعالى هو قطب الرَّحى الذي تدور حوله الديانة بأكملها . 

ولهذا تعرّف سبحانه إلى خَلْقِه بكلّ الطرق الممكنة.. ليعرفوا عنه كلّ شيء ، نشر لهم في طيّات القرآن كل ما يدلّهم عليه ويعرّفهم به ..

في ثنايا آيات الأحكام والأخبار قبل آيات المعتقد أو التوحيد .. 

إنّك تجده سبحانه في كل مكان بأسمائه وصفاته وأفعاله وأقداره واختياراته وتدبيره ..

كل من يقرأ القرآن ويتدبّره سيجد الله في كل آية وفي كل عبارة، سيجد عنه شيئا يعرفه به ..

وكل من ينظر في الخلق .. في نفسه أو في الكون ..

وكل من يقرأ ويستعلم التاريخ البشري ..

سيجد الله في كلّ شيء..

سيجد مُلكَ الله وعظمته ، ومجدَه، وكبرياءه، وجبروته ..

سيجد محبّتَه وودّه .

سيجد قوّته وقدرته التي لا يتعاظمها شيء.. ..

سيجد علمَه وسمعَه وبصرَه وخبرتَه وحكمتَه ..

سيجد إحسانَه وإتقانه ولُطْفَه ورحمته ..

سيجد عفْوَه ومغفرتَه  ورأفته ..

كما سيجد صبره وحِلمه ..

سيجد بطشه وانتقامه وغضَبه ..

سيجد علوّه ونزاهته ..

سيجد كرَمه وبرّه وجُوده ..

سيجد ذلك وأكثر منه بكثير .. منطوقاً به تارةً ومنظوراً تارات..

سيجده في مجريات حياته اليومية ..

في سعادته وشقائه ..

في صحته ومرضه ..

في عافيته وبلائه ..

في وحدته واجتماعه ..

سيجده في الكلمات والأحرف والنّغمات التي تنساب من فمه بل حتى في شهيقه وزفيره ..

كل مخلوقاته وكلّ أحكامه تعالى وأفعاله القدرية والشرعية تعرِفُ فيها ما ذكرته لك من أسمائه وصفاته ، وكلّ ذلك لم يأت عبثا ..

بل جاء لتعرف كم هو جدير هذا الربّ بالحُب ..وحدَه دون سواه ..

وأنّ أيّ حب آخر إمّا هو شرك به تعالى كما قال : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ‌أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}. 

وإمّا هو عذاب لصاحبه إذا استغرق فيه ولم يكن في ذات الله ولأجله .. كما قال صلى الله عليه وسلم : "الدنيا ملعونة ملعون مافيها إلاّ ذكر الله وما والاه أو عالماً أو متعلما"..

فأيّ حب لمخلوق .. لأمٍ أو أبٍ أو ولدٍ أو زوجةٍ أو صديقٍ أو صديقة ..

كل ذلك متاع يأخذ العبد منه حاجته بقَدَر، كما يأكل الطعام بِقَدَر، ويشرب الشراب بقدر، ويطلب المال والولد بِقَدَر .. كذلك الحب للمخلوق .. وقديماً قال العلماء "مَن أحبّ غير الله عُذّب به"

وممّا قيل في هذا الغرور:

إن كان منزلتي في ‌الحب عندكم … ما قد لقيت لقد ضيعت أيامي

أمنيّة ظفرت نفسي بها زمنا     ...     واليوم أحسبها أضغاث أحلام

هكذا حب المخلوق .. إن لم يكن في الله ولله .. أضغاث أحلام ، هذا إن سلم من مغبّته في الآخرة .

يقول ابن القيم: «دل على وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة، ودعوة جميع رسله، وفطرته التي فطر عباده عليها، وما ركب فيهم من العقول، وما أسبغ عليهم من النعم، فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة مَن أنعم عليها وأحسن إليها، فكيف بمن كلّ الإحسان منه؟ 

وما بخلقه جميعهم من نعمة فمنه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسّكم الضر فإليه تجأرون} [سورة النحل: 53] .

وما تعرّف به إلى عباده من أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وما دلّت عليه آثار مصنوعاته من كماله ونهاية جلاله وعظمته.

والمحبة لها داعيان: الجمال، والجلال، والرب تعالى له الكمال المطلق من ذلك، فإنه جميل يحبّ الجمال، بل الجمال كلّه له، والإجلال كلّه منه، فلا يستحقّ أن يُحَبّ لذاته من كل وجه سواه، قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}»أ.هـ.

ولهذا لما سمقت قلوب العارفين من الأنبياء وأتباعهم إلى هذه المحبة وجدناهم يسألون عن ربهم مالم يبدأهم به .. سألوا عن أسمائه وصفاته، وعن أحواله وأفعاله، عما يحبّه وعما يكرهه، عما يوصل إليه وعما يصدّ عنه.

ولهذا لا غرو أن يستغرق هؤلاء في هذا الحب حتى يفنوا فيه عن كل شيء من المرادات والمقاصد والذوات والمعاني ..

إنّه تعالى لما كان أظهر من كل شيء في كل شيء حجب ظهورُه ظهور غيره ..ذلك لا يدريه إلاّ من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ! 

أولئك الذين عرفوا هذه المعرفة هم الذين هانت في قلوبهم الدنيا نعيمها وبؤسها ..

وأرخصوا لأجل هذا الربّ تبارك وتعالى كل شيء .. أنفسهم وأموالهم وأهليهم ..

وبهذه المعرفة وهذا الحب تصبروا وتحلّموا وصدّقوا وتصدّقوا وأعطوا وأخذوا ..

هذا هو الحب وهذه هي التفاصيل التي توصل ولا تقطع، وترفع ولا تخفض، وتزيد ولا تنقِص.

التفاصيل التي لا متاع ولا لذّة فوقها ، ولا يسأم المؤمنون العارفون بالله من تردادها وتكرار النظر فيها..

وبها يُرزقون الصبر على نكد الدنيا وأهلها .. 

وما يزيدهم طول العمر إلاّ رغبة في الرحيل والسفر إليه .. لأنّهم علموا أنّ ذلك النعيم المعرفي لا يكمل إلاّ بالمعاينة، وهو "المزيد" في يوم المزيد  :

عن صهيب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ‌ألم ‌تبيض ‌وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار. قال فيكشف الحجاب. فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل".

Powered by Froala Editor

عروض الزواج